محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
136
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الإبستمولوجية لعلم الدلالات السيميائية ( أو علم العلامات والرموز ) . ونحن نختار من دون أي تردد الطريق الطويل . لما ذا ؟ لأن الطريقة الوحيدة لتحاشي النزعة الاصطناعية والاعتباطية للموضات العلمية العابرة التي تمثّل إحدى السمات الصارخة لعصرنا ، هي أن ننصف القدماء . من الممكن ألا يؤدي اختراق طبقات المعنى المتراكمة فوق بعضها البعض والتي تشكّل التراث التفسيري إلّا إلى العثور على بعض القطع النادرة ، تماما كما يحصل لعمليات الحفر والتنقيب الأركيولوجية . وقد نتوصل إلى تشكّلات جديدة إنما متبعثرة ؛ تشكّلات يمكن للهواة أن يذهبوا لتأمّلها في المتاحف السيميائية . ولكن من الممكن أيضا أن نكتسب معرفة مضمومة الأجزاء ( أو موحّدة الأجزاء ) عن الإنسان . وبالتالي يمكن أن نتوصل إلى تفكير أكثر توازنا ، وأفضل ارتكازا على المشكلة الحيوية للمعنى الأخير . وذلك لأن النصوص الدينية تتميز عن جميع النصوص الأخرى من حيث مزعمها ، إن لم يكن في تسليم المعنى الأخير ، فعلى الأقل تسليم المفتاح - الوحيد - الذي يوصل إلى هذا المعنى الأخير . وإنها لحقيقة واقعة أن جميع التراثات الدينية قد أخذت هذا المزعم على محمل الجدّ حتى يومنا هذا . ولهذا السبب نقول بأن الاهتمام بالبعد التاريخي العميق والطويل للمسألة ينبغي أن يتمثّل ليس في مجرد التجميع المتراكم والمتبحّر للنصوص والأوصاف والمعلومات ، وإنما في بذل الجهد من أجل الإجابة على السؤالين التاليين : 1 - ما هو مضمون ، ووظيفة ، وأهمية المعنى الأخير طبقا للتراث التفسيري الإسلامي ؟ 2 - هل نستطيع نحن اليوم أن نطلق حكما حول درجة المطابقة بين المعنى الأخير الذي يفترضه النصّ التأسيسي الأول ، وبين المعنى الأخير المتلقّى أو المتجمع في التفسير التقليدي ؟ هل نستطيع ؟ أقصد هل نستطيع الإجابة عن السؤالين السابقين في الحالة الراهنة للدراسات العربية والإسلامية ؟ من دون أن ندفع بروح التواضع العلمي إلى حد تجميد البحث أو شلّه ، أو من دون أن نكتفي بالتكرار الكسول لما قاله المعلمون القدماء ، لنقل بأن الإجابة عن هذين السؤالين سوف تتشكّل تدريجيا من خلال المحاولات أو الدراسات الصارمة ، المخلصة والجريئة . وبعد اللحظة الألسنية ( أو اللغوية ) ، ينبغي علينا الآن أن نعبر اللحظة التاريخية ، واللحظة الأنتربولوجية . اللّحظة التاريخية : يلزمنا إعداد مؤلّف ضخم لكي نذكر جميع القراءات التي أثارتها سورة الفاتحة منذ بدايات التفسير الإسلامي وحتى اليوم . ويلزمنا أيضا عمل طويل من الجرد والفرز ، ولا